من عرض نيغاتيف .. تأليف وإخراج نضال سيجري

       

ديناميكية اللغة البصرية في المسرح …الكاتب د/ فاضل سوداني (كوبنهاكن)

ديناميكية اللغة البصرية في المسرح

الكاتب د/ فاضل سوداني (كوبنهاكن)

       يؤَول النص البصري كشفرة تؤسس  بصرية العرض المسرحي المستقبلي  ضمن المفهوم السميائي والظاهراتي . وهذا التأويل الشفري للعرض تكونه أنساق بصرية تجوهر ذاتها وتتحول وتتغير وتتطور باستمرار، وتستقل عما يربطها ببعضها في الكيان الكلي البصري للعرض،  ولكنها في ذات الوقت تشكل مجتمعة صورة العرض البصري اعتمادا على أبعاد  دلالات التوكيد الجوهري أي  التجوهر الذاتي  والتجوهر الثانوي حسب  إمبرتو ايكو . وهذه

       الأنساق البصرية هي ( الجسد وذاكرته المطلقة، إيقاع الحركة، ذاكرة الأشياء ،الديكور والفضاء السينغرافي، علاقات الضوء والظل، اللون، الصمت الديناميكي، التداعي أي الهذيان البصري للرؤيا الإخراجية).

ولا يمكن أن يكون مثل هذا النص ( وبعد ذلك العرض ) بصريا ما لم يتخلص من قصديات مبدعه (المؤلف ـ المخرج)، وتتكامل استقلالية النص نتيجة للقراءات التأويلية الغنية المختلفة التي يسمح بها، مما يؤدي إلى أن يتحقق زمنه وكينونته في فضاء العرض البصري ( الزمن  الإبداعي) وليس في الفضاء النثري ( الأدبي على الورق) وبمعنى آخر يخضع  النص  للبصريات التي يفرضها مفهومنا للبعد الرابع للزمن والفضاء في  العرض المسرحي.

       إن موت المسرح المعاصر يكمن في حيثيات سوق العرض والطلب التجاري  والمباشرة وهامشية معالجاته لمشاكل الذات والمجتمع، و كذلك  سذاجة  خدماته الإعلامية و سيطرت اللغة الأدبية السردية. أما مستقبله فيكمن في لغة النص والعرض  البصرية وأسرارها والمساهمة في  إغناء الوعي الجمالي للمتفرج المتفاعل. ولكن أية لغة هذه التي من المفترض أن تؤثر على البصر والبصيرة ؟؟

يرتكز النص البصري الذي ينبئنا بمستقبل العرض البصري  على ركيزتين  :

1) اللغة الأدبية البصرية ( البعد البصري والمادي للكلمة ودلالاتها التأويلية )

2) لغة  التداعي البصري للأنساق البصرية في الفضاء الإبداعي ( أي الحوار بين ذاكرة الجسد وتداعيات الفضاء

    بما فيها ذاكرة الأشياء  و الأنساق الأخرى، وبين الفنان البصري ـ المخرج والممثل ـ  والمتفرج)

       إن هذين الجانبين: اللغة الأدبية البصرية والتداعي  البصري للأنساق هما اللذان يعيدان خلق اللغة الفنية بصريا سواء كان ذلك في النص أم في العرض، فمن خلالهما  يمكن أن نعيد الكلمة وأبعادها الأدبية السردية والحوارية  إلى كينونتها التأويلية والدلالية والبصرية  في زمن جديد هو زمن العرض البصري، وهذا ينطبق أيضا على الأنساق الأخرى للعرض  مثل  الذاكرة الجسدية للممثل وذاكرة الأشياء،  أي خلق كينونتهما و تداعياتهما البصرية، منذ البذرة الأولى التي تكون  النص  وتتطور بعد ذلك في  العرض البصري الذي يعمل على تعميق  وإغناء أبعادها

        الميتافيزيقية نتيجة لإمكانات التأويل التي يمنحها والتي تؤدي إلى تغير الزمن الإبداعي وزمن المشاهدة من واقعي إلى زمن بصري (إبداعي)، ويتغير أيضا معنى المكان، من ديكور ـ هندسي إلى  سينغرافيا الفضاء البصري.

النص الأدبي والنص البصري:

       لقد حدد تاريخ المسرح العلاقة بين المؤلف والمخرج  أو بين النص ـ العرض والمتفرج على الشكل التالي :

أن يكون النص والعرض خطابا ( سياسيا وإديولوجيا في الكثير من الأحيان) ووسيلة  توصيل أفكار المؤلف والمخرج  للمتفرج  أي أن النص ومكونات فضاء العرض هما وسيط بين المؤلف ـ المخرج  وبين المتفرج.

ولكن إذا اعتمدنا مفاهيم ومفردات الهرمنوطيقيا الفنيومينولوجية ( التأويل الظاهراتي )لاكتشفنا علائق ودلالات أخرى لها علاقة بأنساق بصرية تمنح النص والعرض إمكانية التأويل البصري، فتكون المعادلة أكثر تكثيفا حيث تتحول من علاقة المؤلف بالنص  باعتباره خطابا لبث أفكاره ( النص كوسيط ) إلى علاقة جديدة بين النص ( الذي يكون بالضرورة بصريا ) ككيان إبداعي مستقل وبين المتفرج ( الذي يجب أن يمتلك القدرة على أن يكون متفاعلا حتى يفهم بصريات النص ـ العرض ).

        إذن من خلال هذا الفهم نتوصل إلى نص بصري وعرض بصري  وجمهور متفاعل أي مبدأ التفاعلية في المشاهدة بدلا من النص الأدبي والعرض التقليدي  والمتفرج الهامشي .

ولهذا فإننا يمكن أن ندعو النص المسرحي غير البصري، بالنص الأدبي المغلق النص الميت لأنه ذلك  النص الذي يتحدث بالوسائل الأدبية عن كل الأجوبة حد الثرثرة، ولا يتعامل مع فضاء العرض البصري، وإنما يكتب بلغة الأدب.

النص غير البصري (الأدبي) والاغتراب:

        إن مؤلف النص الأدبي المغلق في المسرح يعمق اغتراب نص العرض والفضاء الإبداعي  ومهمات المسرح عموما أمام المتفرج المتفاعل، لذلك فمثل هذا النص هو اغتراب لآنية العرض البصري و للمتفرج في ذات الوقت. لأنه كتب ضمن انشغالات تهدف إلى تحديد وتركيز وهيمنة الأطر الأدبية على فضاء العرض وإهمال الوسائل البصرية وجعلها ثانوية، أو جعلها تخدم البعد التفسيري للصياغات الأدبية وثرثرة المضامين الواقعية والنفسية المقيتة، وبهذا فإن النص المغلق هنا لا يسمح بالإمكانيات البصرية للمخرج والممثل بل يحدد أفق خيالهما،وخاصة  القدرات التعبيرية للممثل التي تعتمد على إطلاق الأسرار الإبداعية لذاكرته الجسدية المطلقة والتي لا يتكامل إبداعها إلا في فضاء ديناميكية العرض البصري.

و من جانب آخر فان النص الأدبي والعرض التقليدي غير البصري يخلقان الاغتراب أيضا في وعي وروح المتفرج ولا ينسجمان مع طبيعة الحوار الذي يتم بين العرض البصري والمتفرج المتفاعل وبذلك يفقدان الاتصال فيما بينهما.

          إن تداعي الرؤيا البصرية للمخرج لإبراز إمكانات الأنساق التي تكّون فضاء العرض يشكل لغة تجسيدية ودلالية وتأويلية لخلق التأثير والاتصال بين خيالين، خيال المتفرج من جانب وخيال الممثل ـ وذاكرة الأشياء ـ المخرج من جانب آخر. لذلك فان المعادلة في النص و العرض البصري  المعاصر، تفرض أدوات ووسائل ومفردات لغة بصرية جديدة، فتختلف جوهريا عما كانت عليه في النص المسرحي الأدبي المغلق.

 فالمخرج وتداعياته البصرية ( مؤلف وخالق الفضاء البصري للعرض ) يأخذ دوره  محل المؤلف (مبدع النص البصري الذي أوحي بالعرض البصري المستقبلي ) ولهذا يتأسس ما ندعو له أي  للبعد الرابع في الفضاء والزمن في العرض  المسرحي. ويكشف النص و العرض  البصري  تلك الصور وأسرار الحوارات  واللغة المستترة والصور المشعة والمثيرة ببراءتها والأصيلة  لتبهرنا وكأنها تنبثق من السديم  النائي في البرزخ الكوني.

ولذلك فا ن التداعي البصري  للأنساق الذي يمنحه  خيال الفنان البصري  هو زمن  يؤثر بصريا على لمتفرج  ويؤدي به إلى امتلاك لذة  التفكير في جوهر زمني ـ  بصري إبداعي جديد ( العرض البصري الإبداعي ) أي يضعه في زمن الإبداع والحلم وميتافيزيقيا الخيال. ومن هذا نستنتج بان المؤلف والمخرج صاحبا الرؤيا البصرية  يستطيعان أن يخّلصا النص والعرض من الاغتراب من خلال التأليف بالبصريات سواء كان نصا أم عرضا، ويتم تجاوز الاغتراب بتكييف  النص البصري أو العرض البصري لمعاصرة المتفرج وجوهر مشكلته.

ولكن النص  البصري ما أن يبدعه المؤلف وينتهي من كتابته حتى تنتهي علاقته به انطلاقا من ( اللحظة التي يصبح  فيها النص منجزا  يكون المعنى النصي قد انفصل عن قصديات المؤلف، ويلقي كل منهما قدره بمنأى عن الآخر)  إن  قصديات المؤلف للنص الأدبي وقصديات المخرج  في المسرح التقليدي  تختلف  بشكل جذري  عن قصديات النص و العرض البصريان. ومن هذا المنطلق يمكننا أن  نتوائم مع مفهوم هانس جادامر حول قصدية النص في أن المعنى النصي بعد أن يكتمل لا يتطابق مع ما قصده  المؤلف، لأن القصديات السايكولوجية للمؤلف تخصه وحده، أما القصديات النصية  فيجب النظر إليها باعتبارها جزءا من خبرة القارئ ، ولكن في المسرح البصري  تصبح جزءا من  تأويل المتفرج المتفاعل. لذلك  فان النص و العرض البصري  يمتلك إمكانية تهيئة ظروف استيقاظ الفنان والمتفرج المتفاعل معا عند عتبة الوجود البصري الإبداعي .

       أما الذاكرة الجسدية البصرية المطلقة للممثل فهي القدرات وأسرار الجسد البصرية باعتباره ذاكرة بصرية ديناميكية لا ترتبط بالماضي  بل بالحاضر والمستقبل،  و هذا يعني كينونة الجسد البصرية.  ومن خلال هذه الذاكرة الجسدية يخلق الممثل لغته البصرية.  هذا ما ندعوه بميتافيزيقيا الذاكرة البصرية الجسدية المطلقة و النص البصري الذي يوحي بتداعي الرؤيا الإخراجية البصرية  يجب أن يسمح بمساحة لإعادة خلق كينونة المكان الفضائي أي سينغرافيا الفضاء البصري  الذي هو زمن إبداعي مكثف في الفضاء، يمنح وجودا جديدا ومستقلا لذاكرة الأشياء ولجسد الممثل والأنساق البصرية الإبداعية الأخرى .

       وهنالك قضية أخرى  لها علاقة بلذة النص وتذوقه الجمالي والفكري وبالتأكيد فإن هذا شيء ضروري للنص البصري أيضا قبل أن يمتلك ضرورته للنص الأدبي، ولكن هنا يتم التذوق  هذا من خلال مفردات النص البصري وأنساقه التي هي ليست فقط الكلمة ووسائل اللغة الأدبية، وإنما لذة النص البصرية  تتم من خلال جميع وسائل النص البصري التي مر ذكرها، فبدل الاعتماد على  الكلمة فقط لتحقيق لذة النص، أصبت الوسائل البصرية التي تعتمد على مفردات الصورة والتصور والتخيل والبعد الميتافيزيقي لذاكرة الجسد وذاكرة الأشياء وغيرها، و هذه كلها إضافة إى الكلمة البصرية،  أصبحت هي التي تشكل لذة بصرية  جديدة للقارئ أوالمشاهد  المتفاعل وتؤثر على جميع حواسه وهو في  محيط ديناميكيته التفاعلية عند تلقيه للنص البصري .

ولا تعني  دعوتي لكتابة النص البصري  إلى إلغاء الكلمة أو الوسائل اللغوية الأخرى عموما، وإنما على العكس فإن الكلمة  تصبح إحدى الوسائل البصرية المهمة  لتحقيق  النص البصري إذا أحسن انتقائها، وإذا استطاع المؤلف  أن يحولها من كلمة أدبية إلى بصرية تصبح جزءا من تحقيق المشهدية البصرية في العرض.

وهذا كله  يفرض أسس كتابة النص البصري في زمن ما بعد الحداثة ويوحي بل يفرض  أيضا بعدا رابعا للزمن والفضاء البصري في العرض  المسرحي.

اشكال المسرح -الحداثة … أحمد الفيتوري: ناقد من ليبيا.

اشكال المسرح -الحداثة

أحمد الفيتوري: ناقد من ليبيا.

إن المسرح يضعنا في مواجهة ، بين الذات والدراما/ الحداثة ،لأنه نتاج تواصلنا مع الحضارة الحديثة . انه هوية نهضتنا ، فالسؤال عن ماهية المسرح عندنا سؤال عن ماهية النهضة ذاتها.

وهكذا هو اشكال بقدر هي ما نهضتنا اشكال ..

إن النظريات المسرحية الغربية قد حددت مفهوما عاما للمسرح ، ومن ثم التطور والتغير اللذان تعرض لهما هذا المسرح ، بحيث أمكن تحديد هذه المتغيرات وتأطيرها نظريا، فظهر مثلا اصطلاح المسرح الكلاسيكي لنوعية محددة من العرض المسرحي ومن الكتابة المسرحية.

ولقد حددت استمولوجيا المسرح هذا الأصطلاح من خلال مفاهيم العرض المسرحي (أي النص كعرض ) وهكذا غير مسرح بالكلاسيكى لتوافر عناصر متعددة ، مثل وحدة الزمان والمكان ، وحدة الحدث وترابطه المنطقي .. الخ .

ثم ظهر المسرح الشكسبيري وانطلق تغيير جديد عرف بالكلاسيكية الجديدة .. الخ لقد كانت هنالك منطلقات محددة انتجت نوعية مسرحية اصطلح على تسميتها بالكلاسيكية فالكلاسيكية الجديدة وهلم ، وهذه المنطلقات نتاج تاريخ وتقاليد مسرحية عريقة ومقننة .

لكن السؤال : هل يمكن استعارة نفس محددات المفاهيم المسرحية التي يرتكز عليها اصطلاح المسرح الكلاسيكي لنحدد الكلاسيكي -مثلا -فى مسرحنا الذي تنعدم في ثقافتنا اي مرجعية تشخيصية له في ثقافة لا تشخيصية اصلا؟

ان هذا السؤال اي ماهر مسرحنا ؟ يسبق السؤال حول القديم والجديد فيه ومن ثم التجارب الجديدة حقا هذه التجارب يجب ان نعترف انه رغم كل المظاهر الدالة على سلامة طرقها الا ان وسائل تمييزها عن الطريقة التقليدية ليست بالبساطة التي قد تبدو للبعض .

وهكذا نحن ملزمون باستعادة النقاط التالية :

أولا : مسرحنا بدأ مع بواكير النهضة العربية الحديثة التي بدأت مع إطلالة القرن الماضي بكل ما لها وما عليها.

ثانيا : لا يعاني المسرح عندنا من اشكال الثنائية النهوضية : تراث / معاصرة وان كان يعايشها.

ثالثا : المسرح لم يصبح بعد ثقافة ، إذ هو فرجة وثقافة عين في حين أن التراث العربي له موقف مشهود من الثقافة التجسيدية “مسرح / نحت / رسم “.

رابعا : لم يتم التأريخ لمسرحنا وبالتالي لم تتم دراسة العرض المسرحي الا فيما ندر ، والكثير من الدراسات المعروفة تهتم بالنص المسرحي اي تهتم بالأدب التمثيل «كما سمى النص المسرحي عند الرواد» هكذا يبدو ان سؤالنا يطرح سؤالا هو هل مسرحنا مسرح التأسيس ؟ وإذا كان كذلك فهل يمكن القول : تأسيس / كلسيكى تأسيس / حديث ؟ وإذا لم يكن كذلك فهل يمكن ان نوضح مبدأ التواصل والاستمرار، وبالتالى تحديد الحقبة الجديدة ، أي مبدأ الانقطاع والانحلال ؟

لهذا فإن المسرح / سؤال وهو اشكال حضاري ، فكما قلنا في البدء ان المسرح هوية نهضوية ، فإننا نعود لنؤكد انه حين يدور الحديث عن فن الدراما عندنا يدور ضمنا حول تراجيديا النهضة ، وهما يختلطان بشكل لا يقبل الفصل تقريبا ،، لهذا فإن أي وعي مسرحي هو وعي ممزق “يخترق الوعي على هيئة سؤال “.

والوعي الممزق يتمسرح بافتراض : أن الاستحالة ممكن ، فيجد في خيال الظل كلاسيكية مغايرة وابن دانيال يوربيدس وفي مشهد مقتل الحسين امكان دراما، وفي الحلقة الصوفية تمسرحا احتفاليا. وفي السامر شكلا مسرحيا خاصة ، وبالتالي تحققا معرفيا -بالقوة لنظرية المسرح العربي.

ولكنه في الواقع وعي يتحقق على هيئة سؤال : ما هوية المسرح العربي ؟

ولنفترض ان التسليم بأشكال وشكل التأسيس هو الممكن الوحيد الذي يجعل للسؤال محلا في الزمان والمكان ، هنا والآن . وعليه فالتأسيس هوية وأشكال البحث المشار اليها اعلاه امكانية.

وهكذا يمكن ان يتحقق المسرح لانه سينفي هويته هذه من خلال بحثه المضني لتحقيق المسرح/ العربي الذي يعنى اق يصبح ثقافة عين ومخيلة وذاكرة ويصير من تقاليد الثقافة العربية التقليدية (شعر / موسيقى / خط / زخرف نقش .. الخ ) وتصير لدينا ذاكرة شخصية اذا سلمنا جدلا بهذا الافتراض فالجديد حقا هو التأسيس ذاته بما يحمله من استقراء واستنباط ومن تركيب وتوظيف ، ولأنه لا يمكن التحقق من الانقطاع بدون التأصيل والتواصل لهذا فإن هذه التجارب المتعددة بقدر ما تعمل على التأصيل بقدر ما تنحو الى التجديد.

ويبدو أن مقدمة كهذه تؤدي الى نتائج متعددة وإجابات متنوعة لاننا نعتقد أن التأسيس / الهوية يتسم بالتجريب الذي فيه التأصيل تجديد ولاعتبار انه استحدث فالوحدة هنا كامنة في الاختلاف بحيث يبدو الواقع وكأنه “صالة انتظار لمجىء الكلاسيكي”.

هذه المقدمة الافتراض لا تنفي الافتراضات الاخرى بل تؤكدها بحكم انها مقدمة -سؤال وبهذا الطرح تدخل في اطار تعدد الاجابات وان كان في السؤال يكمن احتمال اجابة ، وفي اجابة كهذه تكمن المغامرة والمفاجأة لأنه بدون «استدخال التعددية والمفاجأة يواصل الواقع والمعرفة انطللاقتهما في ضرب من العطالة والحشو».

لما تقدم فإننا نرى المسرح في مصر يبحث في هذا السؤال عموما عبر النص بهـ الكتابة دون النص العرض ، ويسمى هذا المسرح التواصل والارتباط بالمصدر «المسرح الغربي».

ونجد ان اشكال القالب المسرحي عند توفيق الحكيم مشكل النص / الأدب ، فيما يحاول يوسف إدريس البحث المضني عن الهوية من خلال تعدد المعالجات الدر امية للنص / الكتابة ، والفريد فرج يعالج الدراما التراثية كالسير والحكايات فيما يبقى المسرح باعتباره العرض هامشا على المتن .

يقول الاستاذ “حسين الشعبي” : ظهرت في مجال المسرح دعوات للمطالبة بالتحرر من قبضة المسرح الأوروبي فجاءت صيحة يوسف إدريس بالعودة الى مسرح السامر المصري لخلق مسرح عربي أصيل .. لأن الفن على حد تعبيره “ظاهرة اجتماعية انسانية لابد لانتاجها من بيئة معينة تتبع شعبا معينا وتنتج من اجل ذلك الشعب ” وتشكل هذه الدعوة تعبيرا صادقا عن الروح الطامحة للاستقلال عند المصريين والعرب مابعد ثورة يوليو 1952و كذلك دعوة توفيق الحكيم لقالب مسرحي مصري .. والمحاولتان معا -على جرأتهما – لم تستطيعا باعتراف قطبيهما التخلص النهائي من الاشكال والتقنيات المسرحية الجاهزة لدى الغرب وبذلك فإنهما لم تعرفا للتجاوز طريقا.

غير أن هذه المغامرة فتحت الباب للتعددية والمفاجأة بحيث انه في ظرف عقدين من الزمن امكن رصد رصيد مشترك يقسم بالاختلاف ويهدف للتأسيس كما عمل سعدالله ونوس ، ومسرح التسييس وعز الدين المدني والمسرح التراثي وعبد الكريم برشيد والمسرح الاحتفال وروجيه عساف ومسرح الحكواتي والمرحوم محمد مسكين في مسرح النقد والشهادة والمسكيني الصغير والمسرح الثالث .

“المسرح الثالث نموذجا”

لماذا؟

أولا : “لأنه بمثابة توجه جديد نحو منعطف جديد في تأهيل الظاهرة المسرحية “.

فالمسرح الثالث يقدم كتيار مسرحي ينطلق من مسؤولية الاختيار والوعى بها ، فهو اختيار ثقافي / مسرحي / ايديولويجى لا يؤمن بالبراءة او الاختيار ، اذا البراءة في الفن مدانة لأن الاوضاع الثقافية والسياسية والاقتصادية السائدة مبنية على الاختيار ، فإما أن تختار التكريس والتبرير واما ان تختار الحرية فلا مجال للحياد في الاختيار .. إذ الحياد اختيار..

ثانيا : لأن تجربة المسرح الثالث تؤكد على ان المسرح عرض وان النص / الكتابة ليس مسرحا حتى يصير النص / العرض . وبهذا يكشف عن اهمية العلاقة بين المرسل والمرسل اليه .

ثالثا : تبدو هذه التجربة نتاجا لاشكال المسرح عندنا . فهي نتاج لتجربة المسرح الاحتفال الذي جاء كرد فعل على المسرح الغربي واهتم لذلك بالتراث الشعبي (الموقف الانثربولوجى) والمسرح الثالث نتاج للاجابات المسرحية المصرية حول سؤال المسرح هذه الاجابات التي بقيت في اطار المشكل الادبي أو التأليف الدرامي..

رابعا : المسرح الثالث مسرح هواة وكل تأسيس هواية أي مغامرة وتجذيف ،، وثورة ..

خامسا : هنالك نقطتان هامتان :

أ – سمة مغربية تجنح للتنظير- الاستقراء -الاستنباط ، التركيب التوظيف .

ب -سبب معرفي شخصي وهو الاطلاع على عروض مسرحية لهذا المسرح واطلاع على نصوص للمسكيني الصغير وعلى بعض الكتابات حول هذا المسرح .

تصدر عمل المسرح الثالث بيان قالت ديباجته :

“ربما أصبح علينا أن نحدد فهمنا الجيد الواعي لمسيرة المسرح المغربي عبر امتداد التجارب المتعددة التي عايشها المسرح الهاوي المغربي ، لذا سوف نفاجىء الغائب وندعو الحاضر إلى المشاركة في طروحات ظلت تراودنا ، لقد كانت ضرورة التجريب والملاحظة ،، والتجريب على جميع الاصعدة النظرية التي شملت مجالات الفعل الانساني على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي ، كانت اساسية أجل ووضعت منهجة طروحاتنا التي تتنفس الصعداء امام طروحات فلامينة حول المسرح المغربي بصفة عامة .. حيث تجلى هذا في التدخل الرسمي بالنسبة لتعريف المسرح ودوره ..هذا التعريف لا يمكن الاعتماد عليه او الاخذ به نظرا لبعده الواحد الذي يخدم جانبا واحدا .. أو التدخل الحر الفردي الذي تأثر بشكل أو بأخر بنظريات أكاديمية صرفة أو قريبا منها والثورة عليها أحيانا … بالاضافة الى نشر كثير من الاجتهادات والدعوات الى مفهوم المسرح المطلوب . أمام هذا التداخل في الطرح .. فإن المفهوم الحقيقي للمسرح العربي .. انطلاقا من وضعه ظل حبيس التأثر والذاتية .. لذا فقد أصبح من الضروري متابعة هذا البحث وتقنينه في إطار الفعل المسرحي “.

وقد أشار البيان الى إشكالية الطرح والواقع فأكد على أنه مسرح التاريخ والزمان والمكان .. شارحا المكان بأنه جغرافيا الجنس والمواجهة ، فالمكان امتداد عربي في مواجهة عدو (استعمار متعدد الأوجه ) والتواجد في الزمان يكون عن طريق (التلمس يعنى الانتقال من الملموس إلى المحسوس ) و أدلا يمكن أن يكون عامل الزمان مجرد إحساس بعيد عن عملية التفاعل المكاني والحضاري والتاريخ أو ذاكرة الحدث الدرامي هو حركة حية إنه الحاضر ولكن على أساس التحدي القائم ، وبالتالي ينفي المسرح الثالث النسخ والنقل والتلقائية. ويرى أن تعامله مع الزمان والمكان والتاريخ -نصا وإخراجا – ينطلق من عملية تحليلية وتركيبية في إطار تعامله مع الواقع الذي يرتبط بالمتفرج ، وبالتالي يرتبط بطموحاته بحريته ..

هكذا يطرح الخطاب الفكري للمسرح الثالث الذي له جانب آخر يسمونه المضمون التقني : الفقير والذي يحددونه بالقول “إنه يتشابه مع اتجاه جرتوفسكى التقنين فقط ولا يتفق معه في مضمون اللعبة الدر امية ، لأن المسرح الثالث يقوم بدراسة التاريخ في مواجهة زمان ومكان معين “.

وثالوث المسرح الثالث الزمان ، المكان والتاريخ والمضمون التقني ثالوثه الإدارة ، العين، الروح ويحاول المسرح بهذا أن يجمع مآبين المتفرج : العين والممثل : الروح واللغات المسرحية المتعددة : الأدوات .

هكذا يبدو اننا لخصنا أهم المفاهيم عند جماعة المسرح الثالث ، غير أن هذه المفاهيم لم تبق هي ذاتها ساكنة فلقد تم تجاوزها ، ولكنها اعتبرت منطلقات عامة ، فلقد أخذ البعد المكاني كمفهوم وكعرض دلالات متعددة وطور بحيث اعتبر البعض أن المكان هو متخيل رغم واقعيته فهو ” بالضرورة المكان الواقعي الذي ينتمى للمعرفة المشتركة بين المرسل والمتلقى ، وهو اللامكان في تجاوزه لواقعيته وتحمله لدلالات إيمائية تثير متخيل المتلقى”.

لكن ثمة إشكالية أن العرض المسرحي ليس مقولات ، وأن القول المسرحي أو الخطاب المسرحي لا يكون قولا مسرحيا إلا على الركع وهكذا يبدو ان الركع المسرحي يساوى الفاعلية، الحياة ، لهذا فالمصدر الأساسي يكمن في جماليات العرض لأن الفرجة هي وسيلتنا للتواصل مع هذا الخطاب ، ولهذا وقبل أن نبحث عن هذه الفرجة نشير إلى ملاحظات أولية حول هاجس هذا الخطاب ، وهو هاجس الفكاك من التبعية ، هذا الهاجس الذي يعمى الرؤية الابداعية عن حقائق العلاقة مع الاخر وبالأساس العلاقة بالواقع وهذا العمى كثيرا ما يؤدى إلى نفس النتائج نتيجة لمقدمات خاطئة وعلى ذلك فنحن نلاحظ أن خطاب المسرح الثالث يقدم حقائقه دون تفحص دقيق ويطالبنا ان نقبل مقدماته حول المسرح المغربي وكأنه أمام تقاليد ثقافية مهيمنة وتاريخية ، وأن المسرح الثالث ينقطع عن هذا.

وهكذا يبدو أننا ” طرحنا وببساطة المنجزات السابقة جانبا بدلا من أن نضيف اليها منجزات جديدة “. كما يقول بريحت ، ونلاحظ أن هاجس هذا الخطاب يدفع نحو موقف مضاد يحتفي بالتراث الشعبي، وهو موقف أسميه “الموقف الفلكلورى” يتحول فيه الشعب الى مصدر وحي ، ويتحول التراث الشعبي الى تابو ومصدر رؤيا .. ولهذا السبب يحتفي الأستاذ “عبد القادر عبابو” وهو من مؤسسي ومخرجي المسرح الثالث -بالنهضات الشعبية في احتفالية طقسية مرجعيتها الطقس الجروتوفسكى ومشكل التبعية والمرجعية الأخرى لهذه الاحتفائية هي هيمنة النظرة الأنثربولوجية في الساحة الثقافية المغربية .

وهذه النظرة تدفع نحو منزلقات متعددة تسم الكثير من الأعمال الفنية بالاتجاه نحو فضاء (عين السائح) وفضاء إرضاء المشاهد الغربي ويلاحظ ذلك بشكل أوضح في الأعمال السينمائية .

العرض الثالث ….

ملحق 1:

في مسرحية “رحلة السيد عيشور” للكاتب (المسكيني الصغير) جهد منهك اتجاه العرض في تقاطع مع النص والمخرج عبد القادر عبابو في بحثه حول منهجه في الاخراج الجدل يقدم تحليلا مطولا حول اخراجه لهذه المسرحية .

أما المشاهد فإنه يرهق بنصية او حرفية العرض ، لأن المخرج حاول جاهدا أن يحول المحسوسات إلى ملموسات ، فاستغل حاسة الشم بإطلاق البخور وحاسة اللمس بتوزيع الحناء على المتفرج في محاولة للسيطرة على فضا المشاهد بطقسية لا فراغ فيها .. والمستويات الثلاثة التي يفترضها المسرح الثالث للنص جعلها المخرج مستوى واحدا جدليا.

وإذا كانت الترسيمة التالية تبين مستويات النص / الكتابة فإنها في عرض عبابو تأخذ مستوى مناقضا ثم مفجرا للسكوت عنه بسيطرة كلية للغة اللمس .

عيشور في الزمان والمكان ..

الزمن الماضي التراثي , عيشور ولي .

قرية: فضاء واقعي وفي الوسط (مرابط ) كما هو موروث الثقافة البصرية للمتلقى في طقوسيته وإسطوريته .

محراب: فضاء تعبدي روحي ، السلطة الغيبية ، تحيل اليه الذاكرة .

الزمن الحاضر: رب عمل .

مدينة: فضاء واقعي.

عمارة: ترابية في المكان .

منجم: عيشور المتحول في الزمان والمكان .

ثم عيشور لم يعد في الزمان -عيشور لم يعد في المكان .

عيشور آخر يحتل زمان المتلقى الذي يبحث عن مكان لعيشور الجديد.

إن المخرج يرينا ان المتحول لم يتحول بعد وأن الثابت ثابت بعد ولهذا ينطق المسكوت عنه فيجعل المستوى الأول اي (عيشور الولي ) وقبره (المرابط ) مرابطا على الركع وفضاء مهيمنا على فضاءات المسرحية كلها ونشاهده طوال العرض . وبهذا يجعل التحول مكانا كما هو العرض المسرحي (مكان أيضا) حيث كما لاحظنا منذ البدء أن هكذا مسرح هو مسرح تجريب .

ملحق 2

مسرحية : (البحث عن رجل يحمل عينين فقط أو رحلة ابن دانيال ) النص / الكتابة:

” المسكيني الصغير : تجربة مسرحية “إبن دانيال ” من تجارب المسرح الثالث ككتابة تقنية، وذلك من خلال معالجة الزمان / المكان / التاريخ أي التراث .. وهذه الفكرة تم استغلالها ضمن هذه الاشكالية حيث يصبح ابن دانيال الفكرة في الزمان والمكان جزءا لا يتجزأ من الواقع المعيشي الوطني/ القومي الانساني ، داخل هذا الفضاء (فضاء النص ) يتم استحضار ابن دانيال المخايل .. الذي يختصر في نفس الوقت المثقف العربي الذي يعاني العديد من الحصارات النفسية .. الاقتصادية .. الخ .

هذه الفكرة أي فكرة النص لابد من أن تتجادل مع معطيات المكان العربي/ الاسلامي/ العالمي ، وبالتالي يجب أن يحدث خلخلة عند المتلقى لمعايشة المتناقضات . طبعا هذه المعالجة تتم وفق فضاء الركع حيث يفترض في التشخيص إظهار التناقضات عن طريق تجادل الملحقات والشخصيات أي بكل اللغات الدر امية المعروفة داخل فضاء الركع بمعنى آخر يجب البحث عن بديل داخل فضاء المتلقى الذي هو في الأساس جزء لا يتجزأ من الحدث الدرامي ، جزء من فضاء النص فضاء المكان / الزمان / التراث . وهذا بطبيعة الحال اجتهاد يدخل في إطار البحث عن صيغ جديدة للتعامل مع التراث العربي/ الاسلامي / العالمي . في إطار فضاء الركح هناك فضاءات يتعامل معها المسرح الثالث انطلاقا من تحديد فضاء الممثل أي تحديد الشخصية التي تتبنى الطرح وتتبنى بلاغات النص (كل خطابات الشص ) الظاهرة والمسكوت عنها كاستغلال الجسد والصوت والحركة ..إلخ . إلى جانب هذا تدخل أيضا فضاءات الديكور والقطع التي يجب أن تتجادل مع جسد الممثل واللغات الدر امية الأخرى.. موسيقى .. إضاءة .. الخ .

وهذا التعامل لا يجب أن يسقط في (الإبهار) الذي قد يشكل حالة سلبية بالنسبة للمتلقي وتبعده عن خطاب النص .

إذ لابد من المشاركة الفعلية والمتكاملة داخل الفضاءات المسرحية وفي هذا تبرز تجربة المسرح الثالث من بين التجارب التي عرفها المسرح المغربي والعربي عموما وهي محاولة للبحث عن مصطلحات أخرى من الممكن إيجادها داخل المعطيات التراثية .

فالمفروض هو تطويع المعطي الثقافي / التراثي لكي يشكل تقنية جديدة من خلال معطيات ثقافية تربط المتلقى بالموضوع . والمهم في العمل هو محاولة اثارة السؤال عند المتلقى ، وعندما نتساءل فهذا يعنى اننا اكتشفنا أنفسنا.

والمسرح العربي مطالب بالسؤال ، أي البحث عن الذات الشكل داخل الشكل والمنطق داخل المنطوق . وهكذا تختلف التجربة من مخرج لآخر ، وهذا النوع من الكتابة يرفض التعامل من بعد كما يرفض (الإبهار).

النص / العرض …

يفترض المسرح أن النص / الكتابة يتقاطع مع النص / العرض دون أن يلفي اتصاله ، حيث النص العرض متخيل النص المكتوب . أي أن لغة المخرج هي لغة المشهدية / فضاء العين ، لهذا كنا في القاعة أمام إخراج (المسرح الفقير ) الممثل فيه هو اللغة المسرحية ، غير أن ما شاهدناه أن اللغة / الحكى أجهدت بعض الممثلين لطول الحوارات وتكرار القول داخل إطارات مفردات مكرورة وهذا جعل المخيلة الإخراجية ضئيلة تتكىء على النص / الكتاية … فمثلا المشهد الذي يعالج قضية العلاقة بين الكهنة والكنيسة الصهيوني يتم فيه السخرية من المشاهد حين يقدم كمشهد ساذج صارخ بشعا رية خطابية معتادة لليهودي السخطي الذي يميل الى المعالجة الكلاسيكية لمسرحية تاجر البندقية .. وهكذا بقدر ما جنح الديكور للتجريد جنح التشخيص إلى التجسيد المعتاد في تضاد لم يخدم العرض ولكن كشف عن اتكاء على السائد. أما الملابس فإنها ساهمت بتوازن مع النص / الكتابة في إمكانية أن يشخص الممثل الدور دون عوائق ولهذا فإن الممثلين كانوا بحاجة إلى مخيلة إخراجية أغنى من أجل أن يتخلصوا من الإمكانيات المحدودة للعلبة الإيطالية وخاصة الركح الصغير (سينما قابي سابقا) ولهذا أدى بعض الممثلين مجهودا طيبا للتخلص من هذا العائق في لباقة ملحوظة (لكن محصورة ) من قبل الممثل (عبد الهادي البكوش) وغيره .

ملحق 3

بعض الأعمال التي تندرج ضمن تجربة المسرح الثالث :

-الجندي والمثال .

-الجاحظ وتابعه الهيثم .

-رحلة السيد عيشور.

-الباب أربعة .

تأليف (المسكيني الصغير) وإخراج (عبد القادر عبابو) وإنجاز وتقديم جمعية أنوار سوس (أغادير) والتي قدمت مسرحية (رحلة عيشور) في مدينة بنغازى في المهرجان الأول للمسرح المغاربي في اغسطس 1989م . وأقيمت ندوة حول العرض شارك فيها المخرج ولفيف من الفنانين المسرحيين بمدينة بنغازى.

“العقرب والميزان ” تأليف “المسكينى الصغير” إخراج “حسين الشعبي” وإنجاز جمعية الأطلس الصغير بكلميم ، وأخرجها ايضا “عز الدين المهدي” بالمسرح الحديث بالبيضاء / ليبيا ، وعرضت في مهرجان المسرح الوطني بطرابلس في نوفمبر 1989م

“زهرة بنت البرنوص ” تأليف وإخراج “سعدالله عبدالمجيد” إنجاز فرقة فتح الدار البيضاء / المغرب .

“عطيل في باب مراكش ” تأليف “سعدالله عبد المجيد” واخراج “عبدالإله عاجل ” انجاز فرقة فتح / الدار البيضاء.

“وقفة الرجل المسكون ” تأليف وإخراج “سعدالله عبد المجيد” إنجاز فرقة الاقلاع المسرحي / المحمدية / المغرب “رحلة ابن دانيال ” تأليف “المسكيني الصغير” وإخراج “يحيى الفراوى” وإنجاز فرقة المسرح الشامل / طرابلس لم ليبيا.

المسرح.. تفاعل الثقافة والأداء 2 / 2 ….الناقد عبد الناصر حسو

المسرح.. تفاعل الثقافة والأداء 2 / 2

عبد الناصر حسو

      إن مسرحية “هاملت” تختلف من دون شك عن شخصية هاملت التي صورها شكسبير في مسرحيته. إن كل ثقافة ينتمي إليها المخرج المسرحي، تضيف قراءة جديدة ومغايرة إلى نص شكسبير، تعمل على تلوين هاملت بلون ثقافتها وحضارتها، بل إننا نجد في بعض الأحيان، كتابة أخرى للنص المسرحي على نحو ما فعل اليوناني نيكوس كازنتزاكي حين كتب مسرحية “عطيل يعود من جديد” برؤية جديدة، وفي زمن آخر.‏                 احتفت خشبات سورية بالعديد من المسرحيات الخالدة في تاريخ المسرح العالمي، وفي كل عرض كل يُفتح حوار مع الكاتب وثقافته من منطلق الاحترام والوصول إلى صيغة ملائمة تناسب جمهوره، لا من منطلق الإلغاء، وأحياناً نجد ظلال شخصية مسرحية تتحول إلى عرض على الخشبات، أو قد نجد محاكاة للشخصية مثلاً “هاملت يستيقظ متأخراً” لممدوح عدوان، “هاملت بدون هاملت”، “إسماعيل هاملت”، “الأمير هاملت والزير سالم” وغيرها، جميعها نصوص تحاكي مسرحية “هاملت شكسبير، الشخصية التي أنتجها عصر النهضة الأوروبية، لكن بصياغات متعددة، وهذا ما يظهر قوة المسرحية، وما يظهر أن حواراً متخيلاً يدار على مستوى النص، والعرض، انطلاقاً من مقولة الأنا / الآخر.‏ 

      قدمت منذ فترة، على باحة قصر العظيم مسرحية “الأمير هاملت والزير سالم” للاستفادة من الفضاء الدرامي، ولتوظيفه في الفضاء الثقافي، رغم أن الأميرين ينتميان إلى ثقافتين مختلفتين، وحقبتين متباعدتين زمنياً، إلا أنهما اجتمعا في الألفية الثالثة في ضيافة مدينة دمشق ومتفرجيها، كل أمير يمثل ثقافة أمه وتاريخها الفني وفلسفتها البطولية، وزاوية الرؤية إلى الأشياء، ولكل شخصية سيرورتها التاريخية في ذاكرة الناس، لكن اجتماعهما كان على خلفية الأخذ بالثأر (الأمير هاملت يريد الثأر لأبيه، والزير سالم يريد الثأر لأخيه) في إطار زماني ومكاني واحد وجهاً لوجه أمام جمهور قد لا يشكل لـه الثأر أية إشكالية، إلا من خلال الأوضاع السياسية الراهنة.‏

      الزير ينتمي إلى عصر الفروسية والنبالة العربية، عصر الجاهلية كنظام اجتماعي، قبلي، بينما هاملت، ينتمي إلى فترة الانتقال ما بين الفروسية الأوروبية وبين عصر النهضة. والمخرج (رمزي شقير) ينتمي إلى عصر وواقع مغايرين زمانياً ومكانياً، وتالياً يترتب عليه الاستفادة من التقنيات والثورات العلمية والتكنولوجية الحديثة، رغم أن هذه التقنيات لا تشكل عرضاً مميزاً ما لم تكن العناصر الأخرى غنية بمدلولاتها، والحوار بين هاتين الشخصيتين، هو حوار بين ثقافتين.‏

      استحضر المخرج هذين الأميرين، وحاول فتح الحوار معهما في إطار الحضارة الواحدة مستفيداً من تاريخ شخصية هاملت الإشكالية، وبذلك فتح حواراً على عدة مستويات، ما بين القديم والجديد في الحضارة العربية بعد مرور أكثر من ألف وخمسمائة عام، وما بين الحضارة الأوروبية متمثلة بشخصية هاملت.‏            

      لم يكن لهاملت تأثير على المسرح السوري فقط، بل شمل هذا التأثير، المسرح العربي والعالمي أيضاً، هناك آلاف الصفحات النقدية والبحثية والتاريخية، كتبت حول شخصية هاملت، والعديد من النتاجات الإبداعية، تأثرت بها، فضلاً عن العروض التي لا تنقطع عن الخشبات في العالم، حتى إن شخصية هاملت لم تغب عن الخشبات، بحكم التأثير والتفاعل، وباتت ظلال الشخصية تخيم على معظم العروض، في محاولة للتواصل معها ضمن حوار ثقافي /فكري تحمل ثقافة عصر ما.‏        

      العروض المسرحية تؤسس لفضاء جديد، يراكم التجربة الثقافية العربية، ويستند إلى الثقافة المسرحية العالمية، بعد صياغة التجربة الإنسانية بأسلوب عربي ضمن معطيات الراهن، وعبر رؤية المخرج الذي يفترض حكماً أن تكون رؤيته تلبية للراهن العربي.‏

      واقع المسرح العربي، ما زال يعتمد على البداية التأسيسية الواعية لرسالة المسرح الملتزمة تجاه ثقافة الأمة العربية، وإن كانت دعوات بعض المسرحيين حول البحث عن الذات التراثية في أرشفة المكتبات، غير مجدية، وعلى رغم محاولات الإفلات من هيمنة الصيغة الأوروبية مرات عديدة، إلا أن هذه المحاولات كانت في إطار تقويض كيان الصيغة الأرسطوطاليسية، والتمرد على قواعدها الثلاث.‏ 

      إن سيرورة المسرح العربي، فتحت أمام المسرحيين فرصة البحث في موضوع حوار الثقافات من منظور مغاير ومناقض للمنظور السائد جعل الاختيار لزاماً بين اتجاهين، صدام الثقافة أم حوارها؟‏

      المسرح، كبناء معماري، صالة، وخشبة، ونصاً مقترحاً، يعرض لجمهور في مكان تلتقي فيه الثقافات الإنسانية، بخبراتها وتجاربها، وهو مظلة تنضوي تحتها أطراف الحوار ليس على الخشبة فحسب، بل على سائر المستويات الفنية والتقنية، إذ يتفاعل ويتحاور ويتأثر بما قبله، ويؤثر فيما بعده، يتمازج ليشكل مجموعة، إنجازات مسرحية ينهل منها التيارات الفنية والفكرية، ويؤثر فيها ليمنحها فضاءً متخيلاً.‏      

      عملية إعادة إنتاج النص المسرحي، وإعادة كتابته ضمن معطيات اجتماعية وثقافية مختلفة مع الحفاظ على روح الحبكة المسرحية أو المقولة الرئيسية في النص المسرحي قد تبدو مخالفة لما نسميه اليوم أمانة الترجمة وعلمنتها، لكنها بنتائجها المتميزة كانت شكلاً من التواصل والحوار بين ثقافتين، بل إنها بهذه الطريقة الإبداعية أو هذا الشكل الثاني من إبداع النص، وفرت مناخاً ملائماً لاستقبال المسرح في الأرض العربية وهيأت أسباب استمرارية الحياة في المجمع العربي، فلم يعش غربة، ولم يكن غريباً لأن لسانه وبيانه أصبحا عربيين.‏           

      قد يبدو الاختلاف في الإشكاليات، لكن الجميع كان يقرع أجراس النهضة الثقافية العربية، ولعل المسرحيين الرواد كانوا أكثر وقعاً وتأثيراً في أوساط الجمهور لأن مسرحيتهم كان متوجهاً نحو فئات الشعب أكثر من اتجاهه نحو النخب المثقفة كما يحدث الآن.‏               

      إن المسرح بيت لثقافات العالم تتجاور داخله، وتتحاور معه، وتتداخل في ما بينه، إنه مكان لتأصيل الهويات ليس من خلال العزلة، ولكن من خلال التنوع والحوار، فالثقافات تتمايز من خلال لقائها وهذا ما يميز الحوار عن الصدام الذي تبشر به العولمة التي تحاول أن تجمع الثقافات وتسيطر عليها لينشأ بدلاً من ذلك خطاب ثقافي واحد مهيمن على ثقافات العالم.‏    

      إن المسرح يمثل نموذجاً راقياً لحوار الثقافات وتداخلها وتلاقيها وبالتالي فهو رسالة سلام تدحض مقولة هنتنغتون التي تجعل العالم قبائل متحاربة ومجموعة ثقافات متصادمة.. لأنها لا تنظر للثقافة إلا باعتبارها جزءاً من الصراع العالمي الراهن وهذا هو الفرق بين المسرح والسياسة يبحث الأول عن الاختلاف كمصدر للتنوع والغنى، وتنظر الثانية للاختلاف كمجال للصراع والهيمنة.‏

المسرح وما يتضمنه تاريخه العالمي الممتد إلى أكثر من خمسة وعشرين قرناً، يدحض مقولة هنتنغتون العدوانية.‏

المسرح.. تفاعل الثقافة والأداء 1 / 2

المسرح.. تفاعل الثقافة والأداء 1 / 2

الناقد عبد الناصر حسو

لم يكن نابليون يدرك أن مدافعه التي وجهها إلى الأهرامات في نهاية القرن الثامن عشر، ستهز حقبة زمنية من التخلف، وتفتح بوابات الحضارة العربية مشرعة على الآخر، لتنطلق الطيور من أقفاصها، وتصبح الحملة مرآة الوعي العربي، إذ تحولت المدافع إلى أجراس تدك ركاماً من الأفكار القديمة، وتفتح نهضة عربية بعد قرون من الظلام والتمزق في الوقت الذي كانت فرنسا تصدر أزمتها إلى خارج أوروبا.‏    فالحملة العسكرية، كانت تهدف إلى احتلال مصر، ورغم أنها كانت أول شكل من أشكال الصدام في العصر الحديث، إلا أنها تضمنت عملياً أول حوار، وتفاعل ثقافي بين الغرب المتطور، وبين الشرق المتخلف الغارق في الجهل والخوف والتمزق والتشرذم تحت نير الإمبراطورية العثمانية.‏

إذ جلبت الحملة معها، إلى جانب المدافع والبنادق، أول مطبعة تنتج المجلة والكتاب، وأشكالاً مغايرة من الثقافة الحديثة، وتمخضت إثر ذلك نهضة محمد علي باشا في مصر، وانفتاح أسرة آل فخر الدين المعني في لبنان على الغرب. إذا كانت العلاقات التاريخية بين ثقافة العرب وثقافة الغرب، تتخذ بشكل صراع أو تفاعل أو حوار بغض النظر عن أهدافها المخبوءة، فإنها تأكيد على الانفتاح والتواصل مع الآخر وليس الصدام والصراع.‏   

ما نزال نقرأ دهشة المؤرخ العربي عبد الرحمن الجبرتي تجاه الوجود الفرنسي في مصر، وكيف حدثت في أول الأمر صدمة حضارية، لكنه ما إن أدرك أهمية تلك الثقافة الوافدة، لم يقف موقف الرافض للثقافة الجديدة، بل كان يقارن بينها وبين الثقافة العربية المتخلفة، لقد تقبلها. ولم يكن الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي أقل دهشة من المؤرخ، أثناء وجوده في فرنسا وارتياده أماكن اللهو والفرجة، إذ بدأ يكتب عن رحلته بشيء من الانبهار والدهشة عن الثقافة والحضارة الغربية دون كراهية أو تعصب، إلا أنه حرص على إعلان تمسكه بشريعة دينه الإسلامي، “إذ لا يستحسن إلا ما يستحسنه العقل بالشرع”، وكان هذا نوعاً من الحفاظ على الخصوصية والهوية، انطلاقاً من روح الحضارة العربية نفسها.‏           

بدأ الحديث حول صراع الحضارات أولاً في الفكر الألماني، باسم النازية، وسادت النظريات التي جعلت الصراع محور بنائها النظري في فترة الأربعينيات مثل صراع الطبقات وصراع الدول، وألقى المؤرخ أرنولد توينبي سلسلة من المحاضرات بعنوان “الصراع بين الحضارات”، فاستمد صموئيل هنتنغتون أفكاره من محاضرات توينبي، وبنى عليها مقاله الشهير بعنوان “صراع الحضارات” حيث كان الجانب السياسي والعسكري غالباً في هذا المقال، وأشار إلى أن القرن الواحد والعشرين، سوف يشهد صراعات حضارية بديلة لصراع الحدود والأيديولوجيات التي تميز بها القرن العشرون، وحظي المقال بردود أفعال متباينة ومتناقضة بين الدول، ورداً على هذا ارتفعت دعوات هنا وهناك، تعلن أن الحضارات بحاجة إلى حوار وتفاعل وليس إلى صراع وصدام، والمدهش أن هذه الدعوات خرجت من المركزية الأوربية نفسها، مثل غارودي وشتراوس وميشيل فوكو وجاك دريدا وغيرهم، أهم أعمدة الثقافة الغربية، ودحضوا نظرية المحيط والمركز التي كان الأوروبيون ينادون بها، إذ اعتبر غارودي أن حوار الحضارات هو مشروع على مستوى العالم من أجل ابتداع المستقبل وابتكاره للجميع.‏               

والمسرح أيضاً يقدم رداً حاسماً على أفكار هنتنغتون التي كانت تمهيداً لعسكرة العولمة، حيث جعلت للثقافة مدافع وصواريخ عابرة للقارات والثقافات على العكس من ذلك، يبدو المسرح مكاناً للقاء الثقافات الإنسانية وخيمة للحوار على خشبة المسرح تتداخل الثقافات وتتفاعل وتتحاور في كواليس المسرح أو في أرجاء فضائه، تتشكل مجموعة من التقنيات في درجات تقدمها وتأخرها وينشأ، مختبراً للإبداع المسرحي ينهل من كل التيارات الفكرية والمدارس الأدبية بهدف الحوار والتواصل بين الثقافات والشعوب.‏           

إن المسرح أكثر الفنون استخداماً للحوار في الوقت الذي انقطع فيه الحوار ليس بين الثقافات فحسب، بل بين الشخصيات في جميع مجالات الحياة، وبما في ذلك الشخصية المسرحية، فمن المؤكد أن الرغبة الملحة جاءت لإضافة جانب أساسي إلى الفن المسرحي لأنه يعتمد الحوار في بنيته الدرامية.‏     

الواضح أن الأدب والفن أكثر الأشكال التعبيرية تقبلاً واستقبالاً لحوار الثقافات في العالم، انطلاقاً من التموقع الحضاري، لإبراز الهوية متوحداً مع الهوية الإنسانية. والمسرح كنموذج، تجسيد صادق لهذا الحوار التفاعلي الذي يبنى على قاعدة متينة، حيث التعامل والحوار الفعال بين ثقافتين تتوحدان فيه الروح الإنسانية السامية.‏    

إذا كان الأدب يحقق جزءاً من هذا التفاعل عبر الترجمة والتناص بمفهومه التداولي، فالمسرح لا يكتفي بترجمة النصوص فقط، بل يهتم بإعادة إنتاج هذه النصوص على شكل عرض مسرحي ينتمي إلى بيئة مغايرة ويبنى على شكل حوار المخرج من خلال موقعه الحضاري مع نص ينتمي إلى ثقافة أخرى.‏               

قد يعود هذا التفاعل إلى منتصف القرن التاسع عشر، عندما فتح مارون النقاش باباً جديداً لم يكن موجوداً في الثقافة العربية، ولم يكن يدرك هذا الرائد أن الفن يتطور ويجد لنفسه مكانة في الحضارة العربية، ويتخذ مناحي عديدة في الحياة، ولم يدر أيضاً أنه سيترك وراءه نزاعات وخلافات حول وجود المسرح أو عدم وجوده في الثقافة العربية القديمة، ويترك أيضاً مريدين وأشياعاً يتخذون من المسرح منبراً للدفاع عن الذات العربية قبل الدفاع عن التراث العربي الميت الذي ينتمي إلى عهود سالفة، والعثور على إحيائه في شكل التباهي. فالمسرح العربي بدأ إنسانياً، ثم تبلور واتخذ شكل الدفاع عن القومي ليعبر عن الذات المقهورة، واستمر ثورياً دون أن يحدث ثورة على شاكلة السياسي لذلك فهدف المسرح هو التنوير وليس التثوير.‏          

إن تصورات المسرح ترتبط بثقافات ومجتمعات أخرى تعبر عن هذه الثقافات، بعد أن غرس النقاش شتلة المسرح في الثقافة العربية، وكان من نتائج هذا الانفتاح، التلاقح الثقافي بين الحضارات على رغم من أن الثقافة الغربية مارست دور المهيمن وما تزال، واعتبرت الثقافات الأخرى، ثقافة المحيط والهامش، رغم أن هناك العديد من الدعوات والأصوات تنادي إلى الحوار ومواجهة المركزية الغربية في الثقافة ودحض نظرية المركز والمحيط.‏      

تجسد الشكل الآخر من الثقافة للتفاعل، في شكل العلاقة بين العرب والغرب من خلال فن المسرح بأشكاله المتعددة، إذ يمكن النظر إلى العلاقة التفاعلية بين الغرب والعرب من منظور الحوار الثقافي، حيث تأثر رواد المسرح العربي بالمسرح الغربي حين استجلبوه، وأضافوا إليه الكثير من الآثار الفرجوية التي كانت سائدة في المنطقة العربية آنذاك، لتلائم ذوق الجمهور العربي، ولا يحدث غربة بينه وبين الفن الجديد، وكانت رسالة مارون النقاش التي قدمها قبل عرض مسرحية” “البخيل”، التي تعد أول تجربة مسرحية في تاريخ الثقافة العربية، بمثابة أول بيان مسرحي يحدد الهدف الأساسي من استجلاب هذا الفن، رغم أن هذه المظاهرة انتشرت في لبنان وسورية أولاً.‏              

أوضح النقاش في خطابه المسرحي أنه يؤسس لفضاء ثقافي جديد يأخذ من ثقافة أوروبا، ويعيد صياغتها بأسلوب عربي ضمن معطيات عربية، ربما أنه لم يقل كلامه على هذا النحو الصريح، لكن نتائجه واضحة، فواقع المسرح العربي مدين لهذه البداية التأسيسية الواعية لرسالتها والملتزمة تجاه ثقافة أمته، ولعل بعضاً من الباحثين عن الأصالة، قد أنكر على النقاش وغيره من الرواد أنهم لم يقتبسوا جذور المسرح العربي من التراث، وجعلوا الغرب قبلة مسارحهم فاتحين بذلك طرقاً للتبعية وأشكالاً للتغريب، أو أن تجربة النقاش، أجهضت بذور المسرح في البلدان العربية، لن أقف عند هذه الآراء لمناقشتها، ليس لأنها لا تستحق النقاش، ولكن لأن هذه الكلمات لمارون النقاش نفسه يمكن أن ترد على هذا النقد وتفنده.‏       

(ها أنا متقدم دونكم إلى قدام محتملاً فداء عنكم إمكان الملام، مقدماً لهؤلاء الأسياد المعتبرين أصحاب الإدراك الموقرين ذوي المعرفة الفائقة والأذهان الفريدة الرائعة، الذين هم عين المتميزين بهذا العصر وتاج الألباب والنجباء بهذا القطر ومبرزاً لهم مسرحاً أدبياً وذهباً أفرنجياً مسبوكاً عربياً.‏               

على أنني منذ مروري بالأقطار الأورباوية وسلوكي بالأمصار الأفرنجية قد عاينت عندهم فيما بين الوسايط والمنافع التي من شأنها تهذيب الطبايع مراسم يلعبون بها ألعاباً غريبة ويقضون فيها قصصاً عجيبة، فيرى بهذه الحكايات التي يشيرون إليها والروايات التي يشكلون بها ويعتمدون عليها من ظاهرها مجاز ومراح وباطنها حقيقة وصلاح).‏       

ربما لم تخرج البيانات المسرحية العربية منذ زمن النقاش حتى اليوم عن فلك هذا البيان الذي جمع ببساطة رسالة المسرح وأسلوبه وطريقة إعداده، وهذه ميزة أخرى تضاف إلى جرأة المبادرة لشق طريق للمسرح في الثقافة العربية، وإنشاء فضاء ثقافي وفني جديد في الثقافة العربية التي كانت قد تيبست وجف ماء حياتها في أزمنة الانحطاط.‏    

إلا أن جهود النقاش تعثرت في استمرارية هذا الشكل الفني الجديد، وخيم اليأس على القباني الذي فر هارباً إلى مصر من ظلم السلطات العثمانية بمساعدة المؤسسات الدينية، بعد تجربة ناجحة في دمشق، وأسس فرقة مسرحية غنائية، تتلمذ على يديه خيرة رواد المسرح الغنائي المصري، أمثال سلامة الحجازي، وتجربة يعقوب صنوع التي استمرت نوعاً ما لفترة طويلة، إلا أنها أجهضت أيضاً لأسباب عديدة لا مجال لذكرها الآن هنا.‏    

أدرك النقاش أن مسرحية “البخيل” بصيغتها الأصلية (الفرنسية) لا يمكن أن يتقبلها الجمهور العربي، فغير الأحداث، وجعلها صالحة للذوق المحلي، ولم يكتف بذلك، بل قدم منشوره وشرح فيه مسوغات استجلاب هذا الفن، ومبررات تقديم العرض (سبكاً أفرنجياً بقالب عربي، ليناسب ذوق أبناء جلدتي).‏  

الواضح أن النقاش كان يدرك الفرق بين الفن الذي أتى من الغرب، وبين أنواع الفرجة المحلية، والآداب التي ألفها العرب، لذلك أضاف إليه فنون العرب الفرجوية، والقولية.‏

وتعد مسرحياته مع تجربة القباني وصنوع، بداية عهد الانفتاح والحوار الثقافي بين الشرق والغرب.‏

كما أدرك القباني وصنوع بإحساسه العفوي، فكرة التفاعل الحضاري، لأن التوجه العام، والنهضة العربية في تلك الفترة، قد خطت خطوات حثيثة باتجاه هذه الفكرة. لو دققنا النظر في صورة الرواد الأوائل، فسنجد أنهم كانوا رجال نهضة فكرية يحملون مشروعاً نهضوياً تنويرياً، وأصحاب ثقافات متعددة.‏             

هذه هي الصورة الأولى التي ظهر منها المسرح العربي، وبقيت المسرحية فاتحة لفن جديد في الثقافة العربية، وبقيت الساحة مفتوحة للتفاعل والتثاقف.‏              

إلا أن الرواد من الجيل الثاني، الذين أتوا من بعدهم، اعتمدوا بشكل أساسي على الاقتباس والترجمة، ومحاكاة المسرحية الأوروبية، وطرحوا مواضيع من خلال التراث العربي وشخصياته وحكايات ألف ليلة وليلة، فقد استمدوا الشكل الأفرنجي ليحاكوا جانب هذا التاريخ والتراث، واعتمدت العروض على كثافة الحوار حتى اتهَّم البعض أن الفن المسرحي جنس أدبي، يعاني من الترهل والثرثرة الكلامية، فاستخدم البعض أشكال الفرجة الشعبية.‏             

فالمسرح العربي لـه شهادة ميلاد حقيقية رغم انتمائه إلى المسرحية الفرنسية من حيث الكتابة التي يغلب عليها طابع الأدبية، وبنيته الأرسطوطاليسة، المسيطرة ليس على المسرح العربي فحسب، بل كانت النموذج الأوحد المسيطر على العالم، وهذا سياق تاريخي، وصل إلينا عبر استراتيجيات ثقافة المسرح الذي تحول إلى العالمية، وليس العولمة، كما يدّعي بعضهم، من خلال الفرق الزائرة للبلدان العربية، وتأثيرها في المسرح العربي وفي شخصياته، وظهرت ترجمة النصوص في نطاق التفاعل، وقد تكون الترجمة كتفاعل ثقافي عاملاً مشتركاً بين جميع الفنون والآداب، إلا أن للمسرح ميزة تفوق ميزات الفنون الأخرى، وتظهر من خلال العرض الذي يتضمن النص وبنيته الدرامية، والشخصيات، والديكور والإضاءة..‏        

المسرح ليس النص وحده، إنما يتضمن النص المقترح من قبل الكاتب، والعرض الذي يصنعه المخرج وتصاميم الديكور والأزياء والإضاءة.. وصدق مشاعر الممثلين، وبات الإخراج فناً قائماً بذاته غير منفذ لوصايا الكاتب، بل مفجراً طاقات الممثل الإبداعية، وتخيلات المصممين.‏

بعد طلقة صموئيل هنتنغتون التي دوت في العالم، كانت ردود الفعل متباينة في سائر المناحي الفكرية والفنية والثقافية، التي تحصنت بالخصوصية المحلية والهوية القومية.‏      

لكن المسرح أو العرض المسرحي، هو أكثر مجالات الحياة قابلية للانفتاح والتأثير بالمنجزات والاكتشافات العلمية والمعلوماتية والتقنية، فالنص ليس حكراً على ثقافة أو مجتمع ما دون آخر، بل أصبح مشاعاً ـ حسب نظرية موت المؤلف ـ يمكن اختراقه من قبل أي مخرج وفي أي زمان ومكان.‏               

في هذا السياق، نلاحظ أن الصراع ليس بين الحضارات، لأن الحضارة تملك روحاً إنسانية، وتعمق هذه الخصائص، لذا فالحضارات لا تتصارع، ولا تتصادم، إنما السياسات والأنظمة السياسية هي التي تتصادم، ما دامت تعبيراً عن مصالح، وانعكاس لقوى ضاغطة وتحيل القوة إلى حق، وهي التي تتصادم وتتصارع، حفاظاً على مكتسباتها. لقد تنامت روح التعصب التي ظهرت مؤخراً بين الكيانات السياسية، والتي لا تتصل بالأسس الثقافية والحضارية، وانعكست لتضارب المصالح، واختلاف السياسات الثقافية، المصالح تتضارب وتتناقض، لذلك فالصراع يتم على خلفية الأنظمة السياسية للهيمنة والسيطرة وإنجاز مكتسبات جديدة وتوسيع دائرة الهيمنة.‏

لقد افتتح المسرح عصراً جديداً لحوار الثقافات منذ ذلك الزمن، فالرواد المسرحيون كانوا ينقلون الأعمال المسرحية الأوروبية، ويقومون بإعادة صياغتها بما يتناسب الذوق العربي عصرئذ، أي أنهم لم يكونوا يترجمون النص المسرحي، إنما يعيدون صياغته وبناءه المسرحي، وفقاً لقيم المجتمع وثقافته ومعالجة لمشكلاته وقضاياه.‏      

إننا نحتاج إلى دراسة المسرح العربي في هذه المرحلة في إطار يشمل الفكر النهضوي، فبيانات النقاش والقباني وصنوع لا تقل أهمية وشأناً من حيث مفاتيحها النهضوية عن كتابات الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده وسلامة موسى وغيرهم من النهضويين العرب.‏ 

هذه هي البدايات الأولى للمسرح العربي الحديث التي فتحت أمامنا فرصة البحث في موضوع حوار الثقافات من منظور آخر يخالف السائد اليوم الذي جعل الاختيار لازماً بين اتجاهين: صدام الثقافات أم حوارها؟‏          

عندما يبدأ المخرج، أو الدراماتورج في بعض الدول التي لها تقاليد مسرحية عريقة، في البحث عن نص ليصار إلى تقديمه على الخشبة، فهو يبحث عن نقاط الالتقاء ما بين النص المقترح والواقع الذي يعيش فيه المخرج، ومن ثم يبحث عن نقاط المعاصرة، هنا يبدأ التفسير والتأويل بالمعنى الإيجابي بعد عملية الفهم للعرض المرتقب لصياغته وإعداده، وإنتاجه بما يتلاءم الواقع الحالي، وبما يحمي النص من أي التواء واقتحام أي فكرة خارجة عنه، فإنه عملياً يبحث في ذهن الكاتب الذي قد ينتمي إلى ثقافة غير ثقافة المخرج وإلى مجتمع غير مجتمعه، والذي قد ينتمي إلى حقبة زمنية بعيدة أو قريبة، أو ربما ينتمي إلى الفترة الزمنية نفسها التي يعيش فيها المخرج، لكن يختلف عنه في شكل الكتابة وطريقة التفكير وزاوية النظر إلى الأشياء، إنما يقيم حواراً ثقافياً مع التراث الفكري والأدبي الذي ينتمي إليه الكاتب، ويسقط في الوقت نفسه شيئاً من ثقافاته وعصره على النص المسرحي وهنا يتحقق الحوار بين الثقافات والبنى الثقافية. ثم إن كان الكاتب يقدم نفسه في صيغة النص بالحد الأقصى الممكن، فالمخرج يطور هذه الصيغة التي يراها ملائمة للمجتمع بالحد الأقصى الممكن أيضاً.‏             

إن مثل هذه العمليات تنتج حواراً وتفاعلاً مع تلك الثقافة، ومع تلك الحقبة على أرضية النص المقترح للعرض، لأن كل نص هو عالم جديد من الاكتشاف، وبعد الحوار تصل المجموعة إلى صيغة مرضية يتم من خلالها الحوار الثقافي على مبدأ الوئام والمحبة والصدق، وهي صفات إنسانية، وتشترك الجهود عبر المجموعة، إلى إنتاج عرض مسرحي، فمثلاً هناك صياغات وتنويعات عديدة لا تحصى لمسرحية هاملت الأكثر شهرة في العالم، مثلاً هناك هاملت الصيني، وهاملت الفرنسي، وهاملت الأفريقي، الروسي، فأي صيغة من هذه الصيغ هي هاملت مستقلة عرضت أمام مجتمع مغاير، رغم أن الفضل يعود إلى مسرحية (هاملت) شكسبير، لغنى شخصياتها وعمق الفكرة الإنسانية التي تتضمنها، وارتباطها بالواقع الإنساني.‏              

إعلان عن الدورة الرابعة للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي بطنجة

إعلان عن الدورة الرابعة للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي بطنجة

في إطار تنمية الحركية الثقافية بعروس الشمال، وتعزيز التبادل الحضاري والفني بين شبيبة العالم، وبعد النجاح الملحوظ الذي عرفته الدورات السابقة، ستنظم جمعية العمل الجامعي بشراكة مع المدرسة الوطنية للتجارة و التسيير بطنجة و جامعة عبد المالك السعدي من 08 إلى 11 دجنبر(ديسمبر)  2010 (كانون الأول) الدورة الرابعة للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي بطنجة وذلك تحت شعار:” لنحيي شعلة المسرح ”.

وحسب بلاغ اللجنة المنظمة أنها تطمح من خلال هذه النسخة إلى الرفع من التحدي لبلوغ مصاف المهرجانات العالمية من خلال جودة و تنوع فقراته. و ستعمل بذلك على الرفع من مستوى التبادل الثقافي بين مختلف جهات المغرب و ثقافات العالم، من خلال برنامج غني من حيث الجودة و التنوع. هذا و دون إغفلها الجانب الأكاديمي الذي يجعل من المهرجان ملتقى للتعلم و نقل المعرفة إلى الشباب المتعطش لها، في إطار ندوات و أوراش عمل ستنظم لصالح الفرق الجامعية المشاركة، استنادا على المعايير الوطنية و الدولية في الأداء و النقد المسرحي. جاعلة من المدرسة الوطنية للتجارة و التسيير، و قاعة صامويل بكيت، و ساحة الأمم بقلب مدينة طنجة، و سينما الريف بطنجة و المسرح البلدي محمد الحداد أماكن يحيي فيها الشباب شعلة المسرح من جديد للشباب و للجميع.

ملـف الترشيح للمشاركة في المهرجان:

* ملء استمارة المشاركة بعناية.

* توقيع نظام الدورة الرابعة للمهرجان من طرف المسؤول عن الفرقة المسرحية.

* شريط فيديو وصور للمسرحية.

* يمكن إضافة كل وثيقة تعرف بالفرقة والمسرحية.

ملاحظة هامة:

آخر أجل للإيداع ملفات الترشيح هو: 10 أكتوبر 2010

ولمزيد من المعلومات :

               *  العنوان البريدي:       المهرجان الدولي للمسرح الجامعي طنجة

                                             المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير / طنجة

                                             ص.ب 1255 ـ طنجة الرئيسية 90000

                                                         المغرب

         *  العنوان الالكتروني:   asautanger@gmail.com / fitut2010@gmail.com

               *  الهاتــف:       (212) 539.312.984/ 662.666.338

 

            

الإنتاج المسرحي بين التنمية الاقتصادية والأمراض الثقافية ( 2 )

 

الإنتاج المسرحي بين التنمية الاقتصادية والأمراض الثقافية ( 2 )
د. أبو الحسن سلام

 

مقومات القيادة :        
للقيادة مقومات ثلاث لابد من توافرها فيمن يتصدى للقيادة باعتبارها رسالة وفكرة يجملها جمال البنا ( مسؤوليات القيادات النقابية ، كتاب العمل(36) القاهرة المؤسسة العمالية ، فبراير 1967 ) وهي على النحو الآتي :   
• الإيمان بالقيادة باعتبارها رسالة وفكرة وعقيدة.         
• توفر عنصري الخبرة والثقافة.         
فإذا وقفنا عند دور الخبرة والثقافة في قيادة جماعة أو فرقة أو مؤسسة فنية منوطة بإنتاج العروض المسرحية – على سبيل المثال – فلا بد من اشتمال خبرة الإدارة علي أمرين :    
أولا : أن يكون المدير عاملا بالفعل في مجال المسرح   
ثانيا : أن يكون قد تدرّج في مراتب العمل الثقافي الفني بعامة أو المسرحي بخاصة . فمن العسير على من لم يتمرس بالعمل الثقافي والفني أن يلم بمشكلات الإنتاج المسرحي أو السينمائي وعلاقاته المتداخلة وأن يدرك العوامل النفسية الخفية ويهتدي إلى الحالات المزاجية التي قد كثيرا ما تنتاب أحد النجوم أو الفنانين أو الفنيين ، مما يؤثر تأثيرا سلبيا على عمليات الإنتاج الفني . بخاصة عند تعطل أحد الأجهزة أو تأخر إحدى كبار الممثلات عن موعد التدريب أو التصوير مما يتسبب في توتر بقية الفنانين والفنيين المشاركين في العمل نفسه ، الأمر الذي يتطلب قدرة القيادة على ضبط توازنات وحسن إدارة تلك الأزمة العابرة   .          
• توفر عناصر الكفاية الإدارية والشخصية        :        
إن قوة الشخصية القيادية لازمة لكل من يشغل منصبا قياديا ، وتتمثل تلك القوة في سمات متعددة منها ما هو فطري         :          
ويتمثل في : (اعتدال المزاج ـ تناسق الملكات النفسية ـ الذكاء )  
ومنها ما هو مكتسب : ويتمثل في :      
( الخبرة والتجربة – الكفاءة الإدارية ـ الإلمام بخصوصية كل مرحلة من مراحل الإنتاج والمهام الفرعية المتصلة بكل مرحلة من المراحل –قابلية اكتساب مهارات خاصة – إدارة الأزمة )   
ولا شك أن لتنوع مستويات القيادة ونوعياتها مابين قيادة إدارية تخطط وترسم سياسات المؤسسة أو الهيئة من حيث الإنتاج أنواعه ومستوياته وسبل ترويجه وأسواقه المحتملة ، وقيادات فرعية معاونة:( إدارية تنظيمية ومالية وتسويقية وعلاقاتية ) وأخري ( فنية إنتاجية) ومن أهم عوامل نجاح إدارة تنظيم العمل بداخل مؤسسة اقتصادية تجارية استثمارية أو صناعية أو مؤسسة فنية أن تتسم تلك القيادة بما يأتي:         
( إتقان الإشراف الإداري والضبط التنظيمي – قيادة الحاسب الآلي – القدرة على التعامل مع الأجهزة الاتصالية التكنولوجية: الشبكة العنكبوتية والبريد الإليكتروني – إتقان عملية المراسلات – إتقان كتابة محاضر الجلسات – إعداد جداول الأعمال وفق الموضوعات التي ستتم مناقشتها قبل أن انعقاد جلسة مجلس الإدارة ).    القيادة إذن هي فن التعامل مع معطيات الواقع ، وهي قدرة يتميز بها فريق من الناس . ومن مقتضياتها أن تكون للقائد ولاية على من يتبعه. وتعرف هذه الولاية بتعبير اصطلاحي يقال له : ” السلطة ” حيث يري بعض أساتذة علم إدارة الأعمال أن السلطة حق ، وقدرة على ممارسة هذا الحق. وهي ولاية الرئيس على مرؤوسيه. ومن أهم مظاهرها أن يكون للرئيس على المرؤوس أمور ثلاثة    :       
• حق الإشراف بقصد التوجيه .. قبل التنفيذ .    
• حق تقدير العمل بعد إنجازه.. بالإقرار أو التعديل أو الإلغاء .  
• حق وضع الحلول أو الإحلال.. فالرئيس له أن يسند تنفيذ العمل الذي كان مسندا من قبل إلى أحد مرؤوسيه إلى مرؤوس آخر ، وله أيضا أن يحل بعضهم محل بعض .       
ومع أن للإدارة فلسفتين في قيادة عمل مؤسساتي ما ، إحداهما تؤمن بمركزية السلطة ، بينما تؤمن الأخرى بديمقراطية السلطة في المرحلة الأولي من مراحل وضع المخططات الإنتاجية وبمركزيتها خلال مرحلة الإنتاج نفسها، وفي مرحلة تسويقه أيضا . على أنه من الضرورة بمكان أن تتناسب المسؤولية مع السلطة الممنوحة للرئيس .        


** اقتصاديات الإنتاج المسرحي          :       
من البداهة بمكان أنه لا وجود لفعل مؤثر دون الجماعة ، وكما أنه لا وجود للغة دون الجماعة، كذلك لا وجود للاقتصاد دون التكامل الإنتاجي. يقول بريخت: ” إن الجماعة لا يمكن أن تنتج إلاّ أعمالا تحول الجمهور نفسه أيضا إلي مجموعة ( ” بريخت في السينما ” ترجمة: محمد ضوء ( المسرح والخيالة) ع21 السنة الثامنة صيف 1374– 2006 ص88 )         
وحتى نحصل على إنتاج مسرحي قادر على تقديم عرض يحاكي حقيقة الواقع أو يشاكله أو يقترح بديلا له ، لابد من حصوله أولا على تقنية مكتملة ، وعلاقات تفاعل بين المبدع مؤلفا والمبدع مخرجا ، وبين المخرج والمنتج بحيث تتكامل جهوده مع الإدارة ومع الفنانين ( ممثلين ومصممين وراقصين وموسيقيين ) وتتكامل مع جهود الفنيين لتفعيل علاقته بالمنصة التي يتعامل معها فللمساهمات الفردية في مجال إنتاج عرض مسرحي دورها المتميز.         
تأسيسا علي ذلك، فلكي يكون هناك إنتاج مسرحي لابد من توافر عدد من الأركان .. تتمثل في : (( الإبداع الأدبي والفني – الإدارة – المكان المجهز – الأجهزة والآلات – الأهداف – التمويل والتسويق – الجمهور – الحركة النقدية – العلاقات المشتركة بين تلك الأركان وقضايا إفرازاتها المتشابكة ـ وهذا يتطلب رأس مال ثابت ( أصول اقتصادية) ورأس مال متغير ـ ))
• أولا : الإبداع : لا شك أن الإبداع هو مناط عملية الإنتاج المسرحي ، فكل عرض مسرحي يتأسس على المخيلة الإبداعية لفنان المسرح وخبراته ( كاتبا أو مخرجا أو ممثلا أو شاعرا أو مغنيا أو راقصا أو سينوغرافيا أو مؤلفا موسيقيا) ويقوم الإبداع في الأصل على وجود تصور تخطيطي وتقنيات تبعا لكل فرع من الفروع الإبداعية المكونة للعرض المسرحي ( النص– الإخراج – التمثيل – عناصر العرض المسرحي وتقنياته) : التي تتمثل في إحدى عشر عنصرا تشكل الحرفية المسرحية ,s kraft eٍStag ( الديكور – الأزياء – الصوتيات – الإضاءة – البارتيكابلات – الأقنعة – حيل التنكر- الإكسسوار الشخصية – الإكسسوار المكمل للديكور- المصاحبات الموسيقية       )       
وللإبداع منابع أو مصادر متغيرة تبعا للتوجهات الفكرية وسياسات الحراك الاقتصادي السائد في المجتمع ومدي قدرته على استقطاب الحراك الثقافي حيث ينشط الفكر المسرحي في الاستلهام من التراث ، أو استخلاص عدد من الوقائع أو انتخاب عدد من الأحداث التاريخية ، أو إعادة إنتاج واقعة اجتماعية فيها من الغرابة أو الدهشة ما يغاير نمط الحياة أو عادات المجتمع الموروثة ، أو إعادة إنتاج فكرة فلسفية دراميا أو الإسقاط السياسي أو الترويج لأيديولوجيا(عقائدية: دينية أو فلسفية أو سياسية، لكسب التأييد لها ، فضلا عن التناص مع حدث أو صورة فنية من إبداع سابق أو من موقف تاريخي إسقاطا على الواقع المعيش ) إذ لا يمكن للجماعة أن تشارك في إنتاج ما مسرحيا أو غير مسرحي دون معالم محدودة وآفاق ثقافية نموذجية بالنسبة للوسط الاجتماعي الذي يعمل عليها متوافقا مع الشرط الموضوعي للمجتمع الذي يتلقاها. فالمسرح إذن شأنه شأن كل مشروع إنتاجي لا يجب أن ينتج إلاّ ما تستطيعه الجماعة. والجماعة لا تنتج إلاّ منتجات نموذجية. وهناك العديد من الأمثلة التي يمكن أن نقف عليها من عصر المسرح اليوناني ، فكتّابه ( التراجيديون والكوميديون ) نهلوا من ملحمتي ” الإلياذة و الأوديسية ” الكثير من الحكايات الأسطورية والخرافية كذلك تبنّى عدد منهم بعض القضايا الفلسفية ، سواء المرتبطة بعلاقات الإنسان بما وراء الطبيعة أو بعلاقات الكون نفسه، أو بالحياة السياسية التي زخرت بها الحياة الديمقراطية التي سادت مجتمع السادة دون العبيد ، بخاصة علي أيام الحاكم ” باركليس ” تلك التي شهدت ميلاد رائعة سوفوكليس ( أوديبوس) التي عالج فيها مسؤولية الحاكم والتزامه بصالح شعبه (إلكترا ) حيث معالجة فكرة الثأر ( أنتيجوني ) وفكرة التعارض بين قوانين الآلهة وقانون البشر. وروائع كوميديات “أرستوفانيس” النقدية( برلمان النساء – السحب – الضفادع – السلام) فضلا عن تراجيديات يوريبيديس ووجهتها ذات الصبغة الاجتماعية كذلك مسرحيات “إسيخليوس” ( برومثيوس طليقا– حاملات القرابين). كما عكس صورة التحولات في الحياة السياسية المناقضة لها علي أيام الحاكم ” كليون” بعده. لقد كان ذلك إنتاجا إبداعيا متفاعلا مع الحركة الفكرية الفلسفية والحراك الديمقراطي في المجتمع اليوناني القديم ، الذي تميز تراثه الثقافي والحضاري بأنسنة الآلهة ، مما نزع عن قادته السياسيين من الحكام صفة القداسة والأبدية التي تثبّت الحراك الاجتماعي والحضاري وتشل حركة تقدمه . وقد تمثّل ذلك في فكر الفيلسوف ” هيراقليطس ” الذي قال ” إنك لا تستطيع نزول النهر مرتين” تأكيدا لفكرة التغير الدائم في كل شيء .
علي أن المسرح وإن سار وراء الفكر السياسي والاقتصادي فإنه لم يذهب بكلية إنتاجه وراء الفكر الفلسفي مؤيدا وداعيا ، وإنما كان منه ما ذهب مذهب الدعاية لفكرة أطلقها فيلسوف ما علي نحو مبدأ احترام القانون الذي نادى به ” سقراط” وضحي بحياته في سبيل احترامه للقانون الذي حكم عليه بالموت ، وهي فكرة تبنتها إحدى شخصيات ( برلمان النساء): ” خريموس” الذي طبق قانون مصادرة الممتلكات علي نفسه وسلمها لمخازن الدولة تنفيذا لقانون التأميمات بعد الانقلاب النسائي البرلماني علي الرجال في ( إيثاكي) معارضا بذلك رأي نقيضه ” بليبروس” الذي يسأله عن بغيته حاملا ( ديكا وقدرا فخاريا) فيجيبه : “خريموس : أذهب إلى مخازن الدولة لأودع فيها أشيائي تنفيذا للقانون الذي أصدرته النسوة اللواتي صار إليهن حكم البلاد: بليبيروس : عد بأشيائك إلىمنزلك         .       
خريموس : لا . لابد من أن نحترم القانون”      
( راجع النص ، ترجمة : د. لطفي عبد الوهاب ، الإسكندرية ، دار المعرفة الجامعية 1996 ) . ولأن للإنتاج المسرحي وظيفة ثقافية اجتماعية سياسية اقتصادية، لذا يمكننا تصنيف هذه المسرحية في قائمة تمثّل الفن لفكر الاقتصاد السياسي، بتوجهها الإيديولوجي المنحاز لطبقة الملاك في “إيثاكى” نظرا للتهديد الواقع عليهم بعد انتصار جيش دولة إسبرطة الشيوعية المشاعية علي دولة إيثاكى الإقطاعية ، فهذه المسرحية إذن كانت خير تمثيل لجسر الانتقال مابين الفكر الاقتصادي والسياسي العبودى الريعي والفكر الاقتصادي السياسي المشاعي ( وليس الشيوعي ) باعتبار اعتماده على فيء الأرض الزراعية: ( تدوير أموال المحاصيل الزراعية والمتاجرة في العبيد ).      
كذلك كان موقف أرستوفانيس الناقد لفكر سقراط نفسه في مسرحية ( السحب)( ترجمة :د. أحمد عتمان ، سلسلة من المسرح العالمي .ع ( 215 – 216 ) وزارة الإعلام الكويتية ، أول سبتمبر 1987 ) حيث هاجمه معتبرا إيّاه ” سوفوسطائيا” ، مظهرا من مظاهر الحياة الديمقراطية بين أفراد الطبقة الحاكمة ومفكريها في المجتمع اليوناني القديم ، بينما مثل استلهمه لفكرة المثوبة والخلود في العالم الآخر في مسرحية ( الضفادع) حيث نزول إله الربيع ” ديونيزوس” إلى “هاديس” ( عالم الأموات) واستبدال صعوده بيوريبيديس للحياة من جديد بعد موته بإسيخيلوس تعبيرا عن افتقاد طبقة كبار الملاك لأحد أعمدتها الفكرية، وعدم حاجتها إلى مفكرمسرحي ك ( يوربيديس) ناقدا للأحوال السياسية أو الاجتماعية. وهو أمر يدل على تضافر المصالح فيما بين كبار الملاك – وقد كان أرستوفانيس أحدهم ، إلى جانب كونه ” المثقف الشقي” – بتعبير هيجل – بحسبان إسيخيلوس منتميا إلى المثقفين التقليديين المناصرين للفكر الغيبي ولطبقة كبار الملاك في آن واحد.      
وفي اعتقادي أن أرستوفانيس عندما استلهم فكرة الحياة الأخري بعد الموت، التي دارت حولها حوارية طويلة بين ( سقراط) وبعض تلاميذه : ( أفلاطون فيداروس – جورجياس وغيرهم ) في أثناء محاورتهم معه في سجنه لإثنائه عن رأيه الذي حبس من أجله وحوكم به ، في مقابل إفراج الحكومة عنه ، وهو أمر رفضه سقراط بشدة ، مدركا خبث الفكرة التي ترمي إلي إبطال مفعول فكرته حول احترام القانون،حتى وإن كان في غير صالحه، ذلك إن فعل فقد أصبح هو من خرق المبدأ الذي ينادي به. وفي حديثه المستفيض معهم عن الحياة الأبدية بعد الموت ، تحدث عن حياة الأرواح النورانية الشفافة ، التي يصل إليها كل من لم يرتكب جرما ، متطرقا إلي فكرة الأشباح إذ رآهم أناس ارتكبوا آثاما وجرائم في حياتهم الدنيوية وبعد أن ماتت أجسادهم تحول الجزء الذي لم يرتكب جرما أو إثما إلي شفافية نورانية وبقي الجزء الذي نفّذ الجريمة أو الإثم ماديا مرئيا، يظل صاحبه حائرا في الحياة الدنيا علي هيئته المزدوجة مابين الشفافية النورانية والمادية الجسمية !! هكذا تفاعل المنتج الإبداعي المسرحي مع المنتج الفلسفي الفكري في المجتمع اليوناني القديم تأييدا أو رفضا ، بما يزاوج بين تفاعل الفكر الاقتصادي السياسي ودوره في المجتمع . ( راجع : محاورات فيداروس ، ترجمة د. أميرة مطر ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ) كذلك ( راجع : مارتن برنال ، إثينة السوداء ، ت: د.لطفي عبد الوهاب وآخرين ، القاهرة ، المجلس الأعلى للثقافة ، المشروع القومي للترجمة(29) – (1997 )       
لم يتوقف المسرح يوما عن استلهام منتجه الإبداعي من منابع أسطورية ، فاعلة في ثقافة المجتمع الفكرية أو الإيديولوجية السياسية والاقتصادية، التي تنتجه نصا وعرضا . ولم يتوقف المسرح عبر تاريخه الطويل الضاربة جذوره في الزمان البعيد عند حدود النص ؛ وإنما تمثلت استلهاماته الإبداعية في مجال التمثيل ومجال الإخراج والشيونوجرافيا، فضلا عن صور التعبير الحركي الجسدي والإيمائي التي تعكس طبيعة الثقافة السائدة وتجلياتها في المعتقدات وفي السلوك وفي المساكن والأزياء وفي المناظر والملحقات ، حتى في طرائق تصفيف الشعر عند الرجال والنساء وصورها المتباينة مابين الشعر المستعار والطبيعي – تناظرا أو تخالفا، وفق ثقافة المجتمع والعصر والبيئة –
علي أن الذي يعنينا في هذا البحث هو دور علاقات الإنتاج وتباين وسائله في الفعل الثقافي والفني من حيث تأثيرها علي فكر الإنتاج المسرحي ، وهي المسألة التي سنتعرض لها بعد أن نستعرض منهج اتخاذ القرار في فرقنا المسرحية الحكومية أو الخاصة ( الربحية وغير الربحية )
*****************************

المصدر : موقع مسرحيون

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 482 other followers